الأربعاء، 30 أكتوبر، 2013

الحوار المستحيل حول قيادة المرأة للسيارة

بسم الله الرحمن الرحيم

وماتزال الرحى دائرة والحَب لاينتهي، كلما أهلكت الرحى حباً وضعت يدٌ حباً جديداً، وكلما تآكل حجر الرحى استبدلته يدٌ بحجر جديد، ويد أخرى تديرها ثم تديرها، ويالهذه الرحى التعيسة! أنهكت الجميع ولم يخرج منها حفنة دقيق!!

كيف بدأت المشكلة؟

قيادة المرأة للسيارة من المفترض أن تكون في أي مجتمع مسألةً محدودة في بعدها الثقافي والزمني. لكن إشكالية المسألة في المملكة العربية السعودية أنها لم تأخذ مسارها الاجتماعي الطبيعي ليقرر المجتمع بأنساقه الثقافية ومؤوسساته رأياً يكون محل اتفاق فقد تم قطع الطريق عليها فأصبحت معلقة وكان وضعها المعلق مغرياً لكل مستشكل أو باحث عن الإشكاليات المجتمعية لغرض ما.
المملكة بلد حديث عهد بالثروة حديث عهد بالتطور، في لحظةٍ ما بدأ يصلنا كل جديد ومن هذا الجديد السيارة، لكن قلة السيارات وعدم توفر الطرق والمال حالت دون انتشارها بين الناس.
شيئاً فشيئاً بدأت الطرق تتحسن والأموال تتدفق والسيارات تتوفر وكان العنت في قيادتها وصيانتها مساهماً في حصرها فيمن ملك ثمنها وتدرب عليها من الرجال، تزامن كل هذا مع توسع المدن والهجرة إليها من الأرياف والبوادي ماخلق مزيجاً غير متجانس إلى حد كبير.
فبينما كانت المرأة في الريف أو البادية تقوم بأدوار معينة في مجتمعها وربما تخالط الرجال جهلاً بالحكم الشرعي وعلى اعتبار أنهم جميعاً أقرباءها، لم تكن المرأة في المدينة تفعل ذلك لزيادة الوعي الديني ولأن المدينة تحوي أخلاطاً من البشر، فما بالك بعد أن اتسعت المدن وزادت الهجرة إليها، وقد جرى نفس الأمر على المهاجرات مع عوائلهن إلى المدن.
هنا مازلنا نتكلم عن التدين البسيط والعادة والظرف الاجتماعي والغيرة الغريزية وقد تعززت هذه القيم السامية بزيادة الثقافة الشرعية نظراً لفشو التعليم وانتشار الدعاة.
أما في الأرياف والبادية فقد استمرت المرأة في دورها السابق ومن تهيأ لها تعلم قيادة السيارة تعلمته ومارسته لاستكمال دورها المعتاد دون حساسية إلا في حالة القرى المكتظة أو التي اتسعت وتمدنت فقد تحول الوضع فيها إلى نفس وضع المدينة.
حتى ذلك الوقت مازالت القضية طبيعية وآليات القرار المجتمعي سليمة والتطور الثقافي الطبيعي أوجد نسقاً واضحاً ومحدداً للمسألة لذلك لم تكن المسألة موضع جدل.

صناعة المشكلة:

إن تواطوء المجتمع على أمر ما والناتج عن تطور طبيعي للأمور في أنساقٍ ثقافية محددة يعطي للمسألة قوة ويأخذ الأمر اسم العرف، ويكون تعديل أو تبديل هذا العرف مرهوناً بعمل مجتمعي جديد وفي ظل أنساقٍ ثقافية جديدة، فإما أن يُقر العرف السابق مرةً أخرى وإما أن يُعدل أو يُبدل.
الذي حصل (في مظاهرة القيادة الأولى بداية التسعينات الميلادية) هو أن عدداً من الأشخاص مابين رجال ونساء بدأوا في مناقشة الأمر بصوت عالٍ وفاجأوا المجتمع بفتح موضوع كان قد قرر رأيه فيه بشكل طبيعي، وقد كان التوقيت والظروف المحيطة به موضع ريبة، وتناولهم للموضوع كان صدامياً متحدياً للمجتمع وللسياسي ومتخذاً شكل تظاهرة الأمر الذي لاتحتمله السلطات السعودية أبداً.
توجهت أصابع الاتهام في حينها للغرب واتُهم الساعون للقيادة بالعمالة، وقد كان السياسي والمجتمع حينها يواجهون الضغوط الأمريكية للنفاذ إلى المجتمع السعودي وتغيير قيمه وثوابته.
واجه المجتمع بأكمله في حينها التحرك وعلى رأسهم السياسي مع الديني واقتنع الأفراد أنه مخطط خبيث لتفكيك الشكل المحافظ للأسرة السعودية وإفساد المرأة.
مثل موقف المجتمع حينها تجديداً للعرف السائد الذي أخذ الشكل الشرعي الصارم من خلال الفتاوى الشرعية التي أقرت بأن قيادة المرأة للسيارة في ذاتها أمر مباح ولكن المفاسد المترتبة عليه تجعله حراماً.
فشل المخطط وأدى إلى نتائج عكسية، فإن كان هدف القائمين عليه القيادة نفسها فقد انقطع السبيل دونها، وإن كان قصدهم ماوراءها من أمور فقد دق هذا التحرك ناقوس الخطر ونبه الجميع إليه.

تورط الشرعي:

منذ تلكم الحادثة واجهت المؤسسة الدينية الحقيقة وأبصرت الخطر وأخذت على عاتقها مواجهة الأمر بقوة وأدركت أن هذا أمر قضي بليل وأن وراءه ماوراءه من مخططات خبيثة.
وقد ساعدها في معركتها مباركة السياسي بل وتخندقه وراء المؤسسة الدينية والفتوى فأجهض المخطط الأمريكي دون مواجهته بحدة ودفع بالشرعي في نحر أمريكا وتحجج بالتيار الديني المحافظ، فحقق كلا الطرفين (السياسي والشرعي) أهدافه.
أدى هذا التجاذب إلى فرز مجموعة داعية للقيادة في مواجهة المجتمع بكامله، وكان لهذه المجموعة خصائص واضحة أهمها التأثر بالنمط الغربي للحياة وتقليلهم من شأن السفور والاختلاط والوضع الخاص للمرأة في الإسلام، إما جهلاً أو رفضاً لقيم دينية أصيلة.
والعجيب أن هذه المجموعة لم تصادم السياسي على اعتبار أنه صاحب القرار وإنما ركزت جهدها في مواجهة الشرعي وقد زاد ذلك في رفض المجتمع لها حيث أنه لاوجه لمقارنة مجموعة من التغريبين بعلماء الشريعة المؤتمنين على حماية الدين والأخلاق.

اللاعب الجديد:

في خضم هذا الطحن بين الشرعي ومجموعة التغريبيين يبدو أن أحدهم قد وجد فرصة سانحة في هذا الصراع لضرب الاثنين ببعضهما لينشغلا بالفعل عن مناقشة قضايا مصيرية أكثر حساسية وأهمية ويستهلكا طاقتهما ويضعف كل فصيل ويسهل كبح جماحه بل وابتزازه وتوجيهه لخدمة هذا اللاعب.
يتوجه بعض المراقبين باصبع الاتهام إلى أجنحة في السلطة ويجعل الأمر صراع أجنحة، وبعضهم يظن أنه السياسي أو صانع القرار، وآخرون يقررون أنها جهات عليا ذات توجهات تغريبية! الحقيقة غائبة لكن الأكيد أن هنالك من تبنى اللعبة الأمريكية القديمة وحولها إلى نسخة سعودية.

إفساد آليات القرار الاجتماعي:

إن هذا التجاذب الحاد حوّل القضية إلى مسألة مصيرية حساسة فالشرعي يقول أن بعدها الطوفان والتغريبي يقول أنها سلب لحق أصيل للمرأة وتعطيل للتنمية، والسياسي - كما يبدو - يمسك بشعرة معاوية ويحقق المكاسب ويتلاعب بالجميع فلا هو ترك المسألة للمجتمع يقرر فيها بحرية ولاهو قطع بضرورة الالتزام برأي المؤسسة الدينية، ولاهو بالذي أوقف المسألة بحزم كما فعل في التسعينات حينما كان ذلك في صالحه.
وبقي يُمنّي كل فريق الأماني حتى أنهك الجميع وأصبح كل طرف يستعدي السياسي على الآخر ويتملقه ويتمسح فيه.
المشكلة الأهم في نظري أن آليات القرار المجتمعي اليوم لم تعد سليمة، فمسألة مثل هذه كان يفترض بالمجتمع حسمها والبت فيها بشكل تلقائي كما حصل من قبل أو من خلال مؤسساته وعلى رأسها المؤسسة الدينية، وطرح الموضوع دون حساسيات أو استعداء واستدعاء لدول الغرب وجمعيات حقوق الانسان. لكن الأمر قد تم إفساده بالفعل ولاحول ولاقوة إلا بالله.

العودة إلى نقطة الصفر والاسئلة التأسيسية:

الاستشكال الأهم في طرح الموضوع مجدداً هو أن المجتمع قد تغير وأن النسق والأنماط الثقافية قد تغيرت ووضع المرأة قد تغير بالفعل فلابد من رؤية جديدة للمسألة ومراجعة العرف والمفاسد المتوقعة التي قامت عليها الفتوى.
هنا لو أردنا عملاً مجتمعياً جديداً يفرز لنا رؤية حديثة للمسألة وتكون إما إقراراً للوضع السابق أو تغييراً فيه فلابد أن يكون ذلك بشكل سلمي تصالحي يتدارس فيه المجتمع قضيته ويطرح أسئلةً تأسيسيةً مهمة للبناء على محصلتها، ويرفع السياسي يده عن الموضوع ويقضي الشرعي فيه بالحق دون مواربة ويحترم التغريبي مجتمعه ويتذكر أن القضية هنا على الأرض وليست في الدول المتحدثة بالانجليزية أو الفرنسية التي يطرح القضية من خلال ثقافتها وحكوماتها!
ولعلي هنا أضع بعض الأسئلة التأسيسية كمثال لما أرمي إليه:
  1. ماهو الأصل في المسألة؟ وذلك للإجابة على الجانب الشرعي والحقوقي الصرف.
  2. هل يقع هذا الحق - إن وجد - تحت حق القوامة سواءً الفردية أو المجتمعية؟
  3.  لماذا يصر الشرعي على الرفض والتغريبي على السماح؟
  4. هل يثق الجميع بالسياسي (ليتحمل مسؤوليته ويقول كلمته بشجاعة) فيوكلون الأمر إليه ويقبلون حكمه؟
  5. ماهو تصور مؤسسات المجتمع والنشطاء والمثقفين ورجل الشارع؟
  6. أين رأي المرأة من كل ذلك؟ وهل هو معتبر؟
  7. هل تغير المجتمع فعلاً؟ هذا سؤال مهم لأن التغريبيين اليوم يراهنون على أمرين أساسيين القرار السياسي  ويستدعون الغرب بقضه وقضيضه لدعمهم في التأثير عليه، والتغير المجتمعي الذي عملوا عليه مؤخراً باحترافية من خلال تجنب الاصطدام بالشرعي قدر الإمكان وإثارة الشُبه حول رأيه، والعمل على إبراز فوائد القيادة وإظهار الأمر على أنه تطور حتمي ليركض خلفه اللاهثون وراء الصورة العصرانية، وإظهار صورة معينة للمرأة المطالبة بالقيادة تسترحم المجتمع ولاتحاول مصادمته، وهي ليست سافرة فقط بل منقبة ومحجبة.

رأيي الشخصي:

حاولت فيما سبق أن أقدم قراءتي المقتضبة للمشهد كمواطن سعودي بسيط يراقب الأمور بشيء من الوعي والمنطق ومن خلال هذه القراءة يظهر رأيي الشخصي وقد دونته هنا للتخلص من النقاشات المملة حول الموضوع فأحيل إليه كل من أراده، وزيادة في التوضيح أضعه في نقاط محددة.
  1. مناقشة المسألة وإثارتها حق طبيعي للجميع أما استخدامها لإقلاق المجتمع وابتزازه فهي خطيئة كبرى وخطة قذره.
  2. جانب المطالبين مريب جداً وله اتصالات مباشرة بالغرب ويعمل كأنه يعمل بالوكالة عنه.
  3. جانب الرافضين استمات في الدفاع عن المسألة ووضع الكثير من بيضه في سلتها ثم سلم لحيته للسياسي الذي جعله في حيرة لايدري مايُفعل به.
  4. لاثقة لدي أبداً في التوجهات الحكومية مؤخراً ولا أستطيع تفسير الأمر بدقة لكنني أرى فعلاً تغريبياً بامتياز.
  5. يتعرض المجتمع اليوم لضغوطات ومؤثرات كبيرة وبدأت فيه أمراض تحتاج إلى علاج سريع قبل أن تستفحل فيُنكر فئام منه المعروف ويُعرّفون المنكر.
  6. لابد للمجتمع من مراعاة احتيجات المرأة وتفقدها والاهتمام بهمومها ومظالمها عملاً بما يحثنا عليه ديننا وقطعاً للطريق على كل خبيث ومخرب.
  7. أما فيما إذا كنت مع أو ضد فإنني أعلقه برأي المجتمع عندما يقرر بأريحية تامة في حق نفسه وفي جو أكثر هدوء وحرية.

اللهم احفظنا واحفظ ديننا وبلادنا وبلاد المسلمين من الفتن ووفقنا لما اختلف فيه من الحق . . آمين


الأربعاء، 11 أبريل، 2012

الخلاف السعودي الأمريكي حول سوريا


بسم الله الرحيم الرحيم
الوضع السوري
مازالت سوريا ترزح تحت وطأة جبروت نظامها المجرم، كل مدينة أو قرية تتحرك فيها المطالب شعبية تغزوها قطعان الشبيحة وإذا حاول المواطنون الدفاع عن أنفسهم غزتهم دبابات الجيش ومدفعيته وسحقت التحرك.
في سوريا اليوم تواجه الاعتصامات والاحتجاجات والتظاهرات السلمية بالجيش، والنظام الذي ولغ في الدماء مازال يتخبط فيها ويمني النفس بالاستمرار في حكم البلد مخدراً بحالة من السكر والانفصال عن الواقع نموذجية ومسجلة باسم الأنظمة الديكتاتورية.
من جهة أخرى لم تبلغ المعارضة السورية حتى الآن مرحلة النضج والقوة المأمولين منها ولن أدخل هنا في الأسباب لكنني أعرض الواقع، كما أنها بدأت تعاني تشظيات قبل حتى أن تبدأ عملها السياسي، أما الجيش الحر فهو الآخر لم يبلغ العدد المتوقع ولم يحصل حتى الآن على السلاح اللازم بل أنه بدأت تظهر فصائل مقاتلة أخرى منافسة له.
أما الشعب السوري فيبدوا أن القمع الوحشي قد مزق الثورة ويحاول شرذمتها فمازالت دمشق هادئة في الغالب وريفها تحت السيطرة وحلب لم تتحرك على النحو المأمول أما حمص وحماه ومناطق الأطراف يتم تهدئتها بشكل وحشي عند أي حراك بينما الحل يكمن في ثورة شاملة عارمة متضامنة وحتى الآن لم تصل الثورة إلى هذا الحد والسبب الإجرام الأمني.
ماذا تريد أمريكا؟
يتعجب المتابع اليوم من ضعف الموقف الأمريكي والعجز الدولي أمام النظام السوري، فمن خلال خبرتنا بالصلف الأمريكي فإننا نعلم أن أمريكا شنت حروباً منفردة وفرضت قيوداً دولية واستصدرت قرارات أممية دون انتظار أحد بل أنها تجر العالم كله خلفها حيث تريد، إذاً أين هذه الفاعلية من الوضع السوري؟
تصريحات وزارة الدفاع الأمريكية تقول أن الوقت لم يحن بعد ! ولا أعلم ما الذي يمنع من فرض حظر جوي مثلاً إلا أن أمريكا ليست مستعدة حتى لخوض معركة دبلوماسية من أجل هذا القرار، كما أنها لم تتفان لدعم الثوار السوريين إلكترونياً كما فعلت مع ثورات أخرى، وتصريحاتها ليست في مستوى الحدث.
والعجيب أن الدول الأخرى تدور مع أمريكا في نفس الدائرة فهي إما رافضة أو صامتة ولكنها في النهاية لاتفعل شيئاً، حتى الجار التركي الذي كان يتوقع منه الكثير خاصة بعد الجعجعة التي أطلقها لم يكلف نفسه بإنشاء منطقة عازلة محمية داخل حدوده لتوفير منطقة آمنة للمدنيين أو الجيش الحر.
التفسير الوحيد لكل ذلك يكمن في أن أمريكا لاتريد التدخل لإسقاط النظام الآن وأعذارها جاهزة طبعاً فتارة تحتج بأن المعارضة السورية ليست ناضجة، فهل كانت المعارضة الليبية ناضجة؟
وتارة تحتج بالخوف من مآلات السلاح إذا ما استخدمه الجيش الحر اليوم في القضاء على النظام فأين سيذهب غداً، والرد أن الجيش الحر سيحصل على سلاح الجيش السوري نفسه لو أسقط النظام فهل يعني هذا أن تتوقف الثورة؟ كما أننا نقول وأين ذهب سلاح الثوار الليبيين؟ وهل عرفت أمريكا مآلاته قبل وصوله لهم؟
والحجة السخيفة الأخرى أن أمريكا تخشى من حرب أهلية في سوريا، وأعتقد أن ماتفعله أمريكا يعزز هذا الاحتمال ولاينفيه.
إذاً إلى أين تريد أمريكا أن تصل بسوريا؟ إن النهاية الطبيعية لاستمرار الوضع الحالي في سوريا وهو مرشح للاستمرار فترة تعتمد على طول نفس الثوار حيث أن النظام مايزال قوياً ومادامت الثورة لم تصل إلى المدن الكبرى ذات الكثافة السكانية العالية والجيش مايزال أداة طيعة في يد النظام والمجتمع الدولي لم يجد توجهاً قوياً من أمريكا ليسير في ركابها فسيستمر الحال القائم فترة طويلة.
من شأن هذه الفترة أن تعمق الجروح وتعزز الطائفية وتضعف النظام وتفكك المجتمع وتجعل البلد جاهزاً لأن يدخل في نفق النزاع الأهلي بعد أن يتم شحنه بالثأر ويعتاد رائحة البارود وأصوات المدافع.
ستسمر القوى الإقليمية في دعم الثوار وتزيد قوتهم وتسليحهم وتصبح المقاومة أشد شراسة وأكثر احترافية وتبدأ العمليات النوعية بدخول الخبراء المتسللين عبر الحدود ووصولهم إلى الثوار، كما سيستمر أصدقاء النظام في مده بالسلاح والدعم.
سيتم إنهاك البلد تماماً وبعدها تقطيع أوصاله بالممرات الآمنة ليتم خلق واقع جغرافي بحدود واضحه ثم لتدخل سوريا في دوامة الضياع . . هل تذكرون لبنان عندما دخل نفس الدوامة؟ كان العدو الصهيوني حينها في أمان بحراسة لبنانية!
لايريد العرب رؤية قوات أجنبية مرة أخرى داخل حدودهم فغزو العراق يكفيهم لقرون ولكن هل يريدون عراق أخرى بنكهة لبنانية وبدون الوجود الأجنبي؟
ماذا تريد السعودية؟
تدرك المملكة العربية السعودية جيداً الخطر المحدق بسوريا والمنطقة وهي مدركة لقذارة اللعبة الأمريكية الهادفة لإنهاك العرب من جهة وتطويق الخليج وإذلاله من جهة أخرى، والسعودية كدولة ملكية تقليدية فهي غير راغبة أبداً في تغيير خرائط المنطقة والعبث بأمنها وهي مستعدة لفعل المستحيل للحفاظ على استقرارها ووضع التوتر في حده الأدنى.
أعتقد أن المملكة كانت تفضل بقاء النظام السوري شريطة أن يعدل من سلوكه التصادمي مع الدول العربية ومع شعبه بينما بإمكانه الاستمرار في لعب دور المقاوم والممانع لأمريكا ولكن دون الإضرار بالمصالح السعودية ولكن يبدوا أن هذه اللعبة التي أتقنها الهالك حافظ الأسد أكبر من قدرات الغر بشار.
ومع تغول النظام السوري وإصابته بعدم الاتزان وسلوكه طريق الدمار كان أمام السعودية خيارين إما الاستسلام للخطة الأمريكية أو مقاومتها كما حصل في البحرين.
ربما يبدو الموقف السعودي متماهياً مع الموقف الأمريكي في إدانة النظام السوري والمطالبة بحقوق الشعب السوري، ولكن الحقيقة أن السعودية تريد إنهاءً سريعاً وحاسماً للنظام قبل تعزيز خيار الحرب وحمل السلاح عند المواطن العادي الأمر الذي ربما ينتهي بسوريا بعد سقوط نظامها إلى وضع بين الوضعين العراقي واللبناني.
المشكلة أن السعودية لاتملك الأدوات الكافية لتطبيق رؤيتها وهي تحاول جاهدة لحشد التأييد العالمي للتحرك نحو حل سريع ومازال المتابع العادي والمتخصص مذهولين من موقف المملكة التي لم نعتد منها هذه المواقف القاسية فهي تحاول دائماً استخدام القوة الناعمة والوكلاء لتنفيذ رغباتها دون إثارة حول اسمها، ولكن يبدو أن القضية اليوم قضية مصيرية والمملكة غير مستعدة للوقوف متفرجة على العبث الأمريكي.
ماذا في الأفق؟
أتمنى شخصياً أن تتمكن المملكة ودول الخليج من الدفع باتجاه الحل السعودي ولا أظن أن هدية الدرع الصاروخي المقدمة لأمريكا ستكفيها للدفع باتجاه الإسراع في إسقاط النظام السوري مع الحفاظ على وحدة البلد، بإمكان أمريكا قلب أية معادلة وهي قادرة حتى على إسكات الروس بتحريك الاضطرابات الروسية مرة أخرى بدعم المعارضة الروسية، ولايمكن الحصول على تحرك أممي دون أمريكا وما حال ليبيا عنا ببعيد حيث عجزت أوروبا عن المضي قدماً في حربها ضد القذافي ودعم الثورة دون المساعدة الأمريكية.
للأسف هذه حقيقة الوضع . . والظاهر حتى الآن أن أمريكا لاترغب في ذلك، لذلك فإنه على العرب والشعب السوري إيجاد الحل بعيداً عن أمريكا . . وكان الله في عون الشعب السوري.

الاثنين، 9 أبريل، 2012

لا للرسوم


بسم الله الرحمن الرحيم
مشكلة الأراضي الغير مستغلة داخل النطاق العمراني
لا أظن أنه يوجد من لايعلم ماهي مشكلة هذه الأراضي وتأثيرها السلبي على الوضع الاقتصادي العام فقد أشبع الموضوع تحليلاً وتنظيراً من كل من يستطيع الكلام أو الكتابة وتصاعدت القضية بزخم كبير دافعه الأثر المحسوس بشكل مباشر على معايش الناس بكافة فئاتهم.
وقد كتبت بدوري عن المشكلة ورفضت طرح حلول لها إلا بعد دراستها من قبل متخذ القرار ثم يتم تصميم حل مناسب لاتنتج عنه مشاكل أخرى.
أما موضوعي اليوم فهو مشكلة أخرى تتعلق بأحد الحلول المقترحة وارتباطه بالزخم المتصاعد للقضية.
الزخم المتصاعد
السبب المباشر لهذا الزخم هو مشكلة غلاء السكن وارتباطها بشكل أساسي بأسعار الأراضي، ورغم تذمر المواطن منذ سنوات من تباطؤ وتيرة منح الأراضي وقروض الصندوق العقاري إلا أن الغلاء اليوم قد تجاوز كل الحدود حتى بلغ بالمواطن حد اليأس وبدأ يؤثر حتى على أصحاب الأعمال وأضحى الهم اليومي والهاجس السنوي عند تجديد عقود الإيجار.
تحولت شكوى المواطن لقضية ساخنة خاصة مع انفتاح وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي وتبني عدد من الاعلاميين والنشطاء الاجتماعيين لهذا الموضوع.
هنا أصل بدوري إلى المسألة التي أناقشها في هذا المقال وهي الحل الجاهز الذي يطرح من جموع الناس وهو الرسوم (ضرائب) مدعوماً بهذا الزخم الذي يمثل لي هاجساً بحد ذاته.
كيف يكون الزخم مشكلة؟
عندما تظهر أية مشكلة اجتماعية أو اقتصادية فإن متخذ القرار عادة يتأملها وينظر في الحلول الممكنة لها ثم يضعها على الرف، والسبب في ذلك أنه ينتظر الوقت المناسب لطرح هذه الحلول فالتوقيت المناسب جزء من الحل كما أنه إذا لم يجد مطالبة حقيقية بحل المشكلة فإنه سيترك المشكلة وحلولها على الرف لأنه لايرغب باتخاذ خطوات تضطره إلى التحرك فلكل حركة تكلفة وإن لم تكن التكلفة مالية فهي سياسية.
وبالتالي فإنه عند تصاعد الزخم حول أية مشكلة وبلوغه مرحلة المطلب الشعبي الملح (حقيقياً كان أو مصطنع) فإن التكلفة تنخفض على متخذ القرار وتتحول إلى الجانب الايجابي فمادامت الأكثرية ستؤيد الحل فمن الممكن الضغط على الأقلية المتضررة (في حال وجود متضرر من الحل).
المشكلة في نظري أن هذا الزخم الشعبي الكبير يأتي دون وجود حل متكامل والجموع الهائجة تطالب بحل جاهز هو الرسوم والرسوم في حد ذاتها مغنم كبير لأية حكومة ومغرم جسيم على الاقتصاد مؤوسسات وأفراد ومادة مخدرة قوية لو تعاطاها أي مسؤول في الدولة لأدمنها ونقل عدواها إلى جميع أقرانه، فياليت شعري كيف يضع الناس رقابهم تحت سيف الضرائب قانعين ظانين فيها الفرج؟ بل كيف يتمنى البلاء من سلمه الله منه؟
لعنة الرسوم (الضرائب)
الرسوم ضرب من الضرائب تسمى حيناً ضرائب غير مباشرة وأحياناً تكون مباشرة كما في حالتنا هذه، والضرائب عادة تصمم لتحقيق أهداف اقتصادية شتى إما لتحفيز قطاع معين وتنشيطه أو تحجيم آخر وأحياناً لأغراض تمويلية بحتة لصالح الحكومة ومشاريعها.
والواقع أن الرسوم موجودة ومطبقة في نطاقات محدودة جداً في الاقتصاد السعودي وتأتي بمبرر أنها مقابل خدمة حكومية معينة وأنها لاتغطي تكلفة الخدمة في معظم الأحيان.
في الفقه الإسلامي تعتبر الضرائب بأنواعها من المكوس المحرمة وتكيف على أنها اعتداءٌ على مال المسلم دون وجه حق وظلم بين، أما من أجازها من الفقهاء فقد أجازها بشروط متشددة منها أن تكون لغرض محدد عجز عنه بيت مال المسلمين وأن تكون مؤقتة محدودة بهذا الغرض.
إذاً فأول بلاء في الرسوم أنها محرمة شرعاً وثانيها إدمان الأنظمة الحكومية لها !
الحكومة وإدمان الرسوم (الضرائب)
 من الأمور التي يسعد بها أي مسؤول حكومي تضخيم ميزانية القطاع الذي يتولاه من جهة والتقتير في النفقات من جهة أخرى! وهذه معادلة يعرفها كل مطلع على عقليات المسؤولين الحكوميين الفذة حيث أنهم يحسون بالأهمية بزيادة ميزانية إداراتهم وفي نفس الوقت يتفاخرون بقدرتهم على تخفيض النفقات.
كما أن بيروقراطيي الحكومة يقدسون الحلول الجاهزة التي لايتعبون أنفسهم في ابتكارها وستكون الرسوم هدية لا أظنهم يحلمون بها فهي تمكنهم من السيطرة على المستفيدين من خدماتهم وزيادة إيراداتهم في نفس الوقت.
لو تبنى متخذ القرار حل الرسوم المقترحة على الأراضي مؤيداً بهذا الزخم الشعبي فإنه (في تقديري) سيركب الموجة الشعبية ويستغلها لترسيخ مبدأ الضرائب في كيان المجتمع ثم تكر السبحة فتجد الرسوم أمامك عند مواجهة كل مشكلة.
ستستخدم الرسوم مستقبلاً مثلما يستخدم التعهد اليوم، فقد كان التعهد في يوم من الأيام حلاً بيروقراطياً ألمعياً لمشكلةٍ ما ثم أدمنته المنظومة الإدارية، واليوم صار الحل إجراءات والتزامات في معاملة كل مواطن حتى وصلنا إلى مرحلة يندر معها إنجاز معاملة حكومية دون توقيع عدد من التعهدات !
ومن العجيب أن بعض الجهات الحكومية استبقت كل ذلك وكانت تفرض رسوماً بقرارات إدارية غير ملزمة نظاماً للمواطن حيث أنها لاتستند إلى مستند نظامي، ورغم ذلك فقد كانت تجبي هذه الرسوم حتى يرفض أحد المواطنين أو ترتفع المسألة لجهات إدارية أعلى فتنتهي المسألة بأن يتم لفت نظر الإدارة الفارضة للرسوم بعدم نظامية الإجراء نفسه !
فهل نرغب فعلاً في فتح الباب لأحبابنا البيروقراطيين ليلتهموننا أحياءً معززين بقوة النظام وسابقة رسوم الأراضي وكسر الحاجز الشرعي والشعبي من خلال الزخم الهادر؟
ماذا عن الزكاة؟
جباية الزكاة على الأراضي المخططة أو غير المخططة الواقعة داخل النطاق العمراني أو خارجه مسألة شرعية قد أبدت جهة الفتوى الرأي الشرعي فيها والقضايا الشرعية إذا كانت ثابتة فلانقاش حولها إنما يلزم متلقيها السمع والطاعة والعمل بمقتضاها.
ولعل الزخم الشعبي يوجه للمطالبة بحل شامل مدروس يتضمن البدء بتطبيق زكاة الأموال الظاهرة على هذه الأراضي بعد تحديد الضوابط لهذه المسألة والله المستعان.

الجمعة، 3 فبراير، 2012

فتاة الحي اللعوب . . هل تتوب؟


بسم الله الرحمن الرحيم

ولدت في بيت بسيط صغير ولكنه شريف . . لم يكن له هوية! أب بدوي وأم بحرية! . . لم يكن أحد يستطيع أن يقرر إن كانت جميلة أم لا!
كانت الجملة التي تصفها عادة أنها لا بأس بها . . هكذا  لابأس بها . . هي أيضاً ليست قبيحة !
تنمو بشكل معقول جسد صغير وفكر محدود لم تكن ذكية ولكنها ليست بالغبية!
كانت مشكلة حقيقية فهي ليست بدوية ولاحضرية، أبوها ابن قبيلة عظيمة وأمها ابنة عائلة كريمة ولكنها لاتنتسب إلى أكثر من جد رابع، لاجميلة ولاقبيحة، ليست مرحة ولا ثقيلة . . إلى آخر سلسلة اللاشيء واللاهوية وإن شئت فقل الهلامية.
راهقت البلوغ . . كانت عجينة جاهزة للتشكل . . لو تركت لحالها لترعرعت بسيطة نقية ولعاشت مثل غيرها من بنات مجتمعها طيبة نقية متدينة بدين البسطاء تصلي وتصوم وتفعل الخير . . تصون عرضها وتعمل بأرضها وتتزوج وتربي ولدها.
في يوم من الأيام في ثورة البلوغ . . وحين كان البلوغ في عرف من مثلها تأجج للحياء ونمو للشعور بخصوصيتها كأنثى كان لها موعد آخر مع الضياع.
قررت أن تغير حياتها . . رغبت في المجهول . . أرادت أن تكون جميلة ومحبوبة ومرغوبة . . أرادت أن تلفت الأعناق إليها وترهق الأقدام وراءها . . انتكست فطرتها أظلمت روحها اسود قلبها . . ماذا أصابها؟
أثناء كل ذلك ماتت أمها وبعدها بقليل وقع أبوها في قليب البيت وبدأت الشائعات أنها هي من دفعه إليه . . يقال أن ابن الجيران قد شاهد ذلك بنفسه لكنه كان طفلاً صغيراً جداً لاتقبل شهادته هذا مايشاع !!
خلا لها البيت سها عنها الجار انفلت العقال امتزج كل ذلك بروحها الظلامية الضالة المستعرة . . وابتدأت حبكة القصة . .
هاهي ذي بدأت تخرج متزينة في كل يوم أكثر من سابقه . . أخرجت كنز أبيها.
إنه نفس البئر الذي يقال أنها دفعته إليه . . هو نفسه مكان الكنز، ولكن بيتها بقي هو البيت الصغير وحيها هو الحي البسيط وجوارها هو نفسه لم يتغير ولكن طموحها يزيد وأفكارها المنحرفة لايشاركها فيها أحد من بنات الحي، أما أبناء الحي فينظرون إليها بريبة . .
خروجها المتكرر بزينتها التي تزيدها فتنة ولكنها لاتزيد جمالها المحدود . . تغنجها بالكلام حيناً وتنمرها على الرجال حيناً آخر لم يرغبهم ولم يرهبهم وبقيت هي ذات الفتاة الصغيرة التائهة بين طرفي كل حالة فلا هي مغرية مرغوبة ولا هي متروكة مهملة، ولاهي محترمة مقبولة ولا متنمرة منبوذة . .
إنها قصة الضياع . . هكذا سمت نفسها يوماً في نوبة بكاء مر في خلوة أخرى من خلوات الفشل عندما قيمت نفسها أمام المرآة . .
ومع ذلك فقد نجحت في إثارة الجلبة وإزعاج الجميع وعرف الجميع بوجود فتاة جديدة . . ولكنها استمراراً لقصة ضياعها لم يعتبرها أحد عفة ولم يعتبروها فاجرة ولم يعرفوا ماذا تريد ولكنهم فهموا أنها مزهوة بشبابها وأنها غير منضبطة . .
لقد نجحت فتاة قصتنا اللعوب في إثارة مدعي الفحولة في الحي وبدأوا في التقرب منها ليقال أنهم فحول رغم أن أحداً لم يقل أنها أنثى كاملة كما لم يقل أحد أنهم فحول حقيقيون . . لقد كان الجميع يعرف من تكون ومن يكونون . . إنهم جمل أخرى في قصة الضياع . .
لم يعد لها من بد إذاً من فحل مستورد لتثبت ذاتها . . فحل يعرف الجميع أن له صولات وجولات . . يقطن هناك . . بعيداً عن الحي الهاديء . . هناك في الأحياء الكئيبة المظلمة.
بالتأكيد لم يرده أحد في الجوار ولكن هاهو قد جاء وصار يبيت عندها . . أخيراً صار لها هوية . . أصبحت فتاة حكايتنا اللعوب أخيراً فاجرة . .
هاهم الجيران أقبل بعضهم على بعض يتلاومون . . أحسوا بالخطر . . وبالأخص جار المسجد وخادمه المتدين . . هل ستنازعه داره أم تنازعه مسجده أم تنازعه دينه؟ . . إنها فاعلة لامحالة . .
زادت فاجرة الحي في فجورها وتوسعت في جمع أشباه الفحول والمراهقين وبدأت تتطاول على الجيران القريبين والبعيدين . . بدأت تجمع عهرها وتطرحه كفكر هي رائدته . . كنز البئر لاينضب . . مازال يتدفق . . جملت دارها الصغيرة . . أصبحت أكثر صخباً . . لقد أصبحت فاجرة صاخبه . . !
لاحدود لفجور فتاة حكايتنا . . هاقد بدأت نشاطاً جديداً هي الآن تشارك فحلها المستورد في إفساد البيوت وتفكيك العوائل . . بالمال بصخبها بتعدي فحلها المستورد بغباء أشباه الفحول والمراهقين الذين ضللتهم، جوقة من الفسقة تسلطوا على البيوت القديمة المهلهلة وهاهم يدمرونها بحجة إصلاحها وفتحها للشمس والهواء والنور ولكن مالم يقولوه أنهم يريدونها مرتعاً لذلك الفحل الأجنبي المستورد . .
لا أدري ماهي نهاية الحكاية . . ولكن ما أعرفه أنني رأيت تلك الفاجرة البارحة وقد لبست حجاباً طلقته منذ طفولتها وأخذت مصحفاً خطته بيدها وجلست بين بيت خادم المسجد ومسجده وأخذت ترفع صوتها بالتلاوة والذكر . .
هل اهتدت؟ ولكن مازالت جوقة الفجار في بيتها . .
هل آبت؟ ولكن مازال صخب بيتها لاينخفض . .
هل ارعوت؟ ولكن ماتزال تعابير وجهها وجسدها تنضح فجورا . .
قصتها لم تكتمل . . سيخط المستقبل بنفسه النهاية

الجمعة، 7 أكتوبر، 2011

لايوجد حل واحد لمشكلة الأراضي

                  بسم الله الرحمن الرحيم

كتبت يوماً عن أسباب المشكلة وكيف بدأت وأعتقد أن علينا كأصحاب رأي الحديث حول المشكلة وأسبابها أكثر من طرح الحلول، ورغم أن طرح الحلول قد يفيد في تجميع الأفكار والاستفادة منها من قبل صاحب القرار إلا أن الحل يبقى بيده وكل كلام يقال حول الحلول لن يكون له قيمة إذا لم يتحرك صاحب القرار.
ومع ذلك فالناس تسأل دائماً عن الحل فقط ولاتهتم بتشريح المشكلة لأنهم يرون نتائجها وينتظرون الخلاص فيتساءلون دائماً ماهو الحل؟
لايوجد حل
عندما تنمو المشاكل الاقتصادية وتتسبب في تشويه المشهد الاقتصادي بل وتعطيل الاقتصاد أحياناً أو توجيهه في اتجاه خاطيء وخلق سلسلة من التفاعلات السيئة التأثير فإنه لايمكن حل هذه المشاكل بقرار واحد.
إن الحلول في مثل هذه الحالات تحتاج إلى تصميم وهندسة متكاملة بحيث نصل إلى النتائج المرجوة دون زيادة مشاكل الاقتصاد، فمن المسلم به عند الاقتصاديين أنك تستطيع دائماً طرح حلول سريعة لكنها إن لم تكن ضمن حزمة إجراءات فإنها ربما تتجه بك إلى عكس النتيجة المرجوة.
كما أن بيئات الأعمال قادرة دائماً على العبث بأية قرارات وتعطيلها والالتفاف عليها طالما لم تعضد بحزمة من الإجراءات والأنظمة، والتي توضع بدورها بعد دراسة متأنية.
صحاب القرار
عندما نتكلم تحديداً عن مشكلة الأراضي والحلول المأمولة فإننا لابد أن نتطلع نحو صاحب القرار في هذه المسألة والقرار عندنا إما أن يكون عن طريق الأجهزة الحكومية التقليدية أو عن طريق رأس الهرم مباشرة، ولنتأمل قليلاً في هذين الطريقين.
أولاً: الأجهزة الحكومية
الحقيقة أن هذه الأجهزة ترزح تحت ضغط بيروقراطيتها المعتادة وهي غير قادرة على تسيير أمورها الإدارية بشكل أكثر فعالية فضلاً عن تتبع احتياجات المواطن وطرح الحلول وتنفيذها.
كما أن هذه الأجهزة تمثل دائماً دور الممانعة أمام أي قرارات فيها توسعة على المواطن بحجة توسع الصرف وعدم توفر الكادر ولاتكلف نفسها البحث عن حلول بديلة أقل تكلفة، بل أنها قد وصلت إلى مرحلة تأخير القرارات الملكية العاجلة ولوكها داخل أروقتها لتعيدها لنا بعد أن تسلب فرحة المواطن بها ثم تصدمه بسلب مضمونها وتحويلها إلى إجراء بيروقراطي آخر يزيد معاناة المواطن.
لا أثق أبداً في هذه الأجهزة ولا أنتظر منها أية حلول وإن كنت لا أغمط حق بعض فروعها في العمل على تحسين خدماتها عند وجود ضغوط كبيرة من القيادة أو من المواطنين والصحافة ووجود إداريين منفتحي التفكير سرعان ماتفقدهم الجهات الحكومية لاختلاف نوعية تفكيرهم الإبداعي عن بيروقراطية الشلل المزمن.
ثانياً: رأس الهرم
يتمثل رأس الهرم في خادم الحرمين الشريفين والديوان ومن يختارهم لإنجاز أعماله المستعجلة، وهذه المؤسسة – إن صح وصفها بالمؤسسة – هي أكثر فعالية وقادرة على إعادة صياغة مستقبل البلد السياسي والاجتماعي والاقتصادي بل حتى الديني، وفي اعتقادي أنها تعمل بشكل جيد وسريع وفعال عند توفر الإرادة، وهي قادرة على مواجهة أي تحديات من الممكن ظهورها أمام أي قرار مدعمة في ذلك بالنظرة الشعبية والدينية المتمثلة في أدبيات السمع والطاعة لولي الأمر.
وإن كانت هذه المؤسسة في النهاية مؤسسة قرار وليست مؤسسةً تنفيذية وبالتالي فلابد من العودة إلى مربع الحكومة ولكن عند اتخاذ القرار فإن الحكومة وقتها ستكون منفذاً فقط وإن كان ذلك ببطء ولكن المهم أن يصدر القرار.
أرى تحت الرماد وميض جمر
مادام التوجه إلى رأس الهرم مباشرة أجدى وأنفع فإنه لابد من تكثيف الجهود لإيصال صورة واضحة لخادم الحرمين الشريفين للبدء بدراسة الوضع وتصميم الحل المتكامل، لقد كتبت حتى الآن مئات الصفحات واليوم بدأت تظهر أفلام تشتكي الوضع وماعلى الشخص إلا البحث في الموضوع ليجد عدداً مهولاً من المقالات والتعليقات والأفكار وكل ماعلى صانع القرار هو إعادة الأمل بتبني المشكلة.
المشكلة في نمو وبدأت بالتأثير سلباً على جميع مناحي الحياة في البلد وأخص منها نفسيات الشباب الذين بدأوا يوصفون المشكلة بأنها انحياز إلى أصحاب المصالح لبقاء الوضع على ماهو عليه بل وتفاقمه، وربما يصلون إلى نتائج أخرى أكثر سوداوية حتى لو لم يكن لها سند من منطق أو واقع ولابد من إيقاف هذا الإحباط وإعادة الأمل إلى نفوس الشباب.
إذا كان هنالك انحياز فلابد أن يكون للشباب والأكثرية، والتوجه إلى تصميم مستقبل منحاز إليهم هو عين العدالة فمن غير المعقول استمرار وضع خاطيء نشأ عن ظروف تاريخية بحجة أنه أمر واقع فالأمر الواقع لمن أراد رؤيته هو ملايين الشباب المحبط.
ولعلي أترنم هنا ببيت لرجل حكيم قال يوماً:
أرى تحت الرماد وميض جمر          ويوشك أن يكون له ضرام
المعلومة الصحيحة = الإجراء الصحيح
لايمكن لأي جهة أن تبدأ في تصميم الحلول والإجراءات السليمة لهذه المشكلة إلا بتوفر المعلومات المناسبة والدقيقة حولها، وهنا نجد أن التعداد قد جمع كماً كبيراً من المعلومات حول حجم المشكلة ولكن عند النظر إلى الآليات التنفيذية لحل مشكلة الأراضي فإن هذه المعلومات محدودة الفائدة.
وبالتالي فإن معالجة المشكلة تحتاج إلى معلومات دقيقة حول حجم الأراضي والصكوك المصدرة وماتمت الاستفادة منه من عدمه وكيفية تملك هذه الأرض (شراء مباشر، هبة، منحة) وتاريخ شرائها . . إلخ
المشروع الوطني لتسجيل العقار
إن الخطوة العملية الأولى لتكوين قاعدة من المعلومات الدقيقة هي في تجميع المعلومات العقارية كاملة في إهاب واحد وحفظها بشكل إلكتروني قابل للتحديث المستمر وتجميع جهود الأمانات المبذولة في هذا الاتجاه.
فكما أن الأمانات تقوم بحصر العقارات وأنواعها بشكل دائم فلابد من حصر الأراضي وتوثيق ملكيتها عبر إطلاق مشروعٍ وطنيٍ لتسجيل العقار يعمل على توثيق كامل المعلومات الخاصة بالأراضي، وأعتقد أن مجرد الإعلان عن هذا المشروع من شأنه خفض أسعار الأراضي لأنه سيعطي مؤشراً للأسواق أن صانع القرار ينوي التدخل لحل المشكلة.
إن الإعلان عن مشروع من هذا النوع وتحديده بمدة زمنية يتم خلالها مراجعة مراكز توثيق يتم إنشاؤها في المحاكم لتسجيل الصكوك إلكترونياً تحت رقم السجل المدني للمالك سيضع أمام صانع القرار المعلومة بشكلها الحقيقي (القبيح) ويمكنه بعد تحليل البيانات التوجيه بتصميم الحل المناسب.
بإمكاننا الإنتظار لحل المشكلة ياحكماء البلاد ولكن أرونا أنكم تريدون ذلك.

الخميس، 9 يونيو، 2011

كيف ضاقت الوسيعة؟

بسم الله وحده والصلاة على من لانبي بعده . . أما بعد
لوتكلمت بنبؤة لطلبت قصب السبق ولو بحت بسر لجاهرت بالمعرفة ولكنني سأتكلم بماتعلمون وجل ما سأفعله أن أنظمه في نسق واحد، لست بحلال المشاكل ولاعلامة الزمان، أنا رجل منكم يريد أن يبوح ويريد أن تشاركوه الهم لعل الله يكتب لنا الفرج.
سيقرأ المقالة أناس من أعمار مختلفة وخلفيات متباينة ولكن سيتفق الغالبية معي بوجود مشكلة وربما اختلف البعض وأقول لمن يختلف معي حول وجود مشكلة إصبر حتى نهاية المقال ثم قرر موقفك.
العصر الذهبي
كان ياما كان في قديم الزمان دولة ناشئة حديثة تتأجج بالأمل وتتطلع للأمام برغم كل مشاكلها وحداثة سنها وقلة مواردها ولكن أملها في الله كبير جداً ولم يخيب الله الظن . . إنه الأمل يا إخواني الأمل.
بدأت الأرزاق تتدفق وانفتحت خيرات الأرض وعاشت البلاد ربيعها وكان للأرض قصتها فقد كانت إما:
1-   مناطق القبائل الحاضرة. وهي مناطق مملوكة بالكامل للقبائل القاطنة فيها تستصلح منها ماتراه مناسباً وتتخذ من الجبال محميات للرعي وتديرها بدقة عجيبة فترعى جزءً وتحمي آخر ثم تبدل بينها ولها أعرافها وقوانينها. وهذه الأراضي مقسمة تماماً بين القبائل ولاتجد شبراً واحداً دون مالك.
2-   المدن والحواضر. تتمركز عادة حول قلب البلدة أو المدينة ولها أطراف هي لمن أحياها أو ابتنى فيها ثم لها ضواحٍ زراعية وأرياف ينطبق عليها ماينطبق على أراضي القبائل، وفي بعض هذه الحواضر كانت حتى أطراف المدن مملوكة ومقسمة مسبقاً كوديان ومحميات لبعض القبائل أو الأسر العريقة.
3-   مناطق القبائل البدوية. وهي مناطق مفتوحة ورغم معرفة كل قبيلة لمناطقها ومراعيها إلا أن الأمر بشكل عام واسع فلم تكن للأرض أهمية خاصة وإنما الأهمية للمراعي وآبار المياه ومافي حكمها. وكثيراً مايحصل التغيير والتبديل والزيادة والنقصان في مناطق نفوذ هذه القبائل.
4-   كانت هنالك بعض الملكيات الإقطاعية القديمة العائدة لعهد الدولة العثمانية والتي أخذت ظلماً وعنوةً من أهلها في بعض المناطق في حالات محدودة مثل القطيف والأحساء وهذه تصرف معها الملك عبدالعزيز رحمه الله بإعادة الحقوق المسلوبة إلى أهلها وبقيت بعض الملكيات الكبيرة ولكنها أخذت حكم ماحولها من الأملاك دون سخرة أو استعباد للبشر.
أما باقي الأراضي فكانت خلاءً مفتوحاً للشمس والهواء والسيارة، ومعها الشواطيء البكر التي لم تضق يوماً بصياد أو تاجر أو عابر سبيل.
حتى الآن ماتزال القصة جميلة ولايوجد مشاكل من أراد أن يختط أرضاً ويبني بيتاً فأرض الله واسعة وإحياء الموات مطلوب فتوسعت المدن وازدهرت وكثر الناس والمعايش، بل أن الدولة سعت في توطين البادية وإنشاء الحواضر.
جاءت مرحلة النفط وجاء الخير وابتدأت الدولة في تخطيط المدن وإنشاء الأحياء وتوزيع المنح للمواطنين وإعطاء القروض للبناء حتى أنه جاء وقت تصرف القروض للرجل والمرأة، هذا مع استمرار النمط القديم عند البعض في سكن مايسمى بالأحياء العشوائية الآن فكان الرجل يختار الأرض الخالية في الحي ويستأذن جيرانه ويبني له داراً بسيطة تلم شتات عائلته وتقيه الشمس والمطر.
أليس هذا بعصر ذهبي؟ . . عند الشيوعيين كان العصر الذهبي هو عصر المشاعية الأولى المفترض، ولكن حتى أحلام الشيوعيين لم تصل إلى هذه الدرجة . . أن يعطى المواطن والمواطنة أرضاً ومالاً لبنائها ! . . هل أزيدكم؟
لقد كان المواطن يقدم في أكثر من مدينة وفي كل مدينة كان يعطى أرض منحة! إنه عصر المواطن الذهبي بكل تأكيد.
هذا عن الحيازات الصغيرة المعدة للبناء فماذا عن الحيازات الكبيرة؟
الحيازات الكبيرة المستحدثة في تلك الفترة كانت على أنواع:
1-   ماحازه شيوخ القبائل الحاضرة. وذلك عن تراضٍ داخل القبيلة وربما استخدم الشيخ سلطته لزيادة حجم الحيازة ولكنه يبقى ضمن إطار التوافق العام. والغالب محدودية هذه الحالات بسبب تعنت أبناء القبائل في السماح لشيخوهم بحيازة مساحات كبيرة من أرض القبيلة لأن ذلك سيؤثر على نصيبهم منها فيما بعد.
2-   ماحازه شيوخ القبائل البدوية من مساحات واسعة في مناطق الهجر المستحدثة وكان ذلك من باب إحياء الموات.
3-   النطاقات العمرانية حول المدن والتي بذلتها الدولة لكل من شاء مقابل مبالغ رمزية على أمل أن يقوم المالك الجديد بتخطيطها وبيعها على المواطنين وكان ذلك في إطار رغبة الدولة في التأسيس لصناعة عقارية تقوم بأعباء المرحلة.
4-   التملك عن طريق إحياء الموات وكان ذلك يتم بأن يسور المواطن أرضاً في الخلاء بعيداً عن المدن ونطاقاتها ويزرع بعضها بقليل نخل يصمد حتى يراه مفتش وزارة الزراعة ويعطيه الإذن بالتملك.
5-   المنح المباشرة وهي عادة تصرف عن طريق الديوان الملكي وتختص بالأمراء والوجهاء وبعض المواطنين من ذوي الحظوة.
حتى الآن مايزال الأمر في سياق المرحلة ولم يكن هنالك شديد ولع بالأراضي بل أن مالك الأرض لم يعتبرها رأس مال في حد ذاتها إن لم تكن زراعية جيدة، ومالك الأرض السكنية الخام لم يكن يتحمس كثيراً لتحويلها إلى مخطط بسبب التكاليف وضعف الإقبال.
الطفرة الأولى
لا أود الخوض في بيانات ومعلومات وتحليلات اقتصادية لمرحلة الطفرة العقارية الأولى وكيف بدأت فالموضوع قتل بحثاً ولكنني أعرج سريعاً من أجل القاريء الشاب خاصة - أما نحن فقد هرمنا وسبق أن عشنا أجزاءً من المرحلة – ليقارن الليلة بالبارحة.
حدثت في الأعوام من 1394هـ وحتى 1405هـ، الموفقة 1974م إلى 1985م. زيادات كبيرة في أسعار النفط وبالتالي دخل المملكة وإنفاق الحكومة، انعكست هذه الزيادات في مشاريع تنموية طموحة وإنفاق مباشر لجيوب المواطنين وزيادات في المعاشات ومدن جديدة وقواعد عسكرية ووظائف بالجملة وإنشاء الصناديق وبذل القروض، وللتجار والمقاولين مثل ذلك وزيادة فقد تصدرت الحكومة لدعم كل نشاط اقتصادي ممكن فالطموحات كبيرة والاقتصاد المحلي بدائي وضعيف.
لقد كان الاقتصاد ضعيفاً وبدائياً في كل قطاعاته حتى القطاع البنكي وقد كان كبار التجار وقتها يخصون البنوك الخارجية بودائعهم الضخمة وتعاملاتهم الكبيرة لأن بنوكنا لم تكن بعد على القدر الكافي من الاحترافية ولا المصداقية لخدمة المرحلة (لاحظ التشابه مع الفارق مع وضع بنوكنا المحلية اليوم).
وقد اضطرت الدولة للتدخل في كل نشاط لتحفيزه بل واستثمرت في النشاطات الكبيرة التي أحجم عنها التجار التقليديون ومن ضمن هذه الأنشطة العقار.
لكل مدينة من مدن المملكة قصتها ونموذجها الخاص مع الطفرة ولكنها اشتركت في الشكل العام وهو ارتفاع أسعار الأراضي أضعاف مضاعفة ونشؤ طبقات جديدة من الملاك والمخططين (أو مايسمى المطورين وهم يسمون أنفسهم المسهمين أي من يحولون الأراضي إلى أسهم عقارية) والسماسرة والحقيقة أن كل السلسلة كانت عبارة عن سماسرة ولكنهم يختلفون في الرتب وكانت هذه المرحلة تتميز بالجنون التام فقد وصلت في فترة الزخم أن يتم تداول السهم العقاري خمس مرات وأكثر في اليوم الواحد وربما تضاعفت قيمته مرات في نفس اليوم !
الصدمة
انخفضت فجأةً أسعار النفط وانخفض دخل المملكة وبالتالي الإنفاق الحكومي وفقدت الطفرة الزخم ودخلت السوق مرحلة الصدمة.
لم يصدق العقاريون أن اللعبة توقفت وهذا عائد بالطبع إلى الاندفاع بروح القطيع المتفائلة وانعدام الخبرة في الأسواق فإذا كانت الدولة نفسها جديدة فما بالك بأسواقها المستحدثة؟ . .
وهنا تتدخل الحكومة وبقوة لتعويض خسائر العقاريين من ضمن قطاعات أخرى في الاقتصاد ويبدأ التغير في الوضع العقاري وهدوء البيع والشراء والمساهمات العقارية ولكن القطاع العقاري يبقى حياً بسبب الأعمال التي استقرت وصندوق التنمية العقارية قبل تباطؤ عجلته.
مشكلة الطفرة أنها خلفت فكراً خاطئاً ونظرة مشوهة للعقار من قبل تجاره خاصة أن توقف الطفرة لم يتسبب في انهيار العقار تماماً بسبب الطلب الحقيقي الذي ظل مستمراً رغم توقف طلب المضاربات العقارية وهنا تنشأ الأفكار العقارية العتيدة مثل (العقار يمرض ولكن لايموت) وإن كان البعض يتندر بهذه العبارة على العقاريين ولكن من أدرك شيوخ العقار وأساطينه علم أنها عقيدة قد انعقدت قلوبهم عليها وهي مبنية على ملاحظة صحيحة أفرزها واقع خاطيء.
من العجيب أن بعض تجار العقار وإمعاناً في فهمه العجيب للسوق بقي مصراً على أسعار الطفرة طوال عشرين سنة بعد توقفها ! . . تخيل أن يبقى مصراً على أسعار الطفرة رغم أنه طرأ على المنطقة حرب الخليج الثانية والعديد من الأزمات فقد العقار جاذبيته في مراحل منها ومع ذلك يستمر في عرض أراضيه بأسعار الطفرة لعشرين عاماً متجاهلاً تطور الاقتصاد ونشؤ الشركات الكبيرة واتساع دائرة الاستثمار (بالنسبة لأيام الطفرة) بل أنه حتى لم يكلف نفسه بتقديم فائدة للمجتمع ببناء أراضيه فكل مايطلبه أسعار الطفرة ! والصبر حرفته فقد حقق أثناء طفرته الأثيرة إليه من الأموال مايمكنه من الدخول في مرحلة بيات طويل.
إن فهم هذه العقليات مهم لإدراك مانواجهه اليوم في عالم ملاك العقار من دينصورات العقار التي لم تنقرض ولم ينقرض فكرها وبقيت رابضة على هذا المورد الوفير حتى حولته إلى مورد شحيح.
الحقيقة أن تحليل العقلية الاستثمارية التقليدية لكبار ملاك العقار مطلب مهم ولولا خشية الإطالة لفصلت فيها ليعلم القاريء أننا نواجه شخصيات وعقليات هي أقرب إلى أبي الهول فلا منطق ولا معرفة، توقفت أفهامهم عند مرحلة زمنية ماضية نصبوا لها سرادقات التصبر وعالجوا طول الزمن بالانتظار وعطلوا معهم ثرواتهم كل ذلك في انتظار ساعة الانتقام من المجتمع ليقتصوا لربع قرن قضوه في الانتظار، ورغم أنهم مازالوا على رأس أعمالهم ويجنون أرباحاً جيدة إلا أنهم يريدون الانتقام من الزمن والبلد بما فيه ومن فيه (نحن طبعاً مادة الانتقام).
اعلم أيها القاريء العزيز أن هذه النوعيات من البشر خطر كبير على الوطن ولابد من علاجها بشكل جذري وقطع دابرها فرغم تطور القطاع العقاري اليوم إلا أن مثل هذا المنطق العقيم مازال يسيطر على أقطابه أقول ذلك لنكون مستعدين لأقسى الحلول من أجل الصالح العام.
المرحلة المعاصرة
الوضع المعاصر للقطاع العقاري وضع غير طبيعي لعدة أسباب فهو بشكل عام يمثل طفرة جديدة ولكن هذه المرة يدعمها طلب قوي على النحو الآتي:
1-    الطلب الحقيقي للمساكن الناشيء عن الانفجار السكاني والتركيبة العمرية للمجتمع.
2-    الطلب المتنامي بقوة للقطاع التجاري وقطاع الأعمال.
3-    الطلب الاستثماري على المديين المتوسط والطويل. من خلال حبس الأرض وانتظار زيادات أكبر في الأسعار.
4-   الطلب الناتج عن توسع الانفاق الحكومي وبلوغه أرقاماً قياسية في كل مرة خلال السنوات الماضية وماينتج عن هذا الانفاق من أنواع متعددة من الطلب على العقار بكل أنواعه حتى الأراضي الخام.
المشكلة الحالية هي أنه ورغم وجود كل هذا الطلب القوي على الأراضي إلا أن الأراضي المعروضة للبيع غير متوفرة بشكل كافٍ هذا من جهة ومن جهة أخرى أن الدولة لم تعد تحتكم على أراض مناسبة لتخصيصها لمشاريعها فضلاً عن منحها للموطنين لتخفيف حدة الطلب وكانت النتيجة الطبيعية هي مانكابده حالياً من غلاء مضطرد في أسعار الأراضي.
لايستطيع الكثير من الناس اليوم فهم الوضع الحالي ويتساءلون عن شح الأراضي في بلد تحيط الصحراء بكل مدنه وهنا لابد من بعض التفصيل.
أين الأراضي؟
أولاً: هنالك حقيقة صادمة وهي أن الكثير من الأراضي المخططة والجاهزة للاستثمار السكني والتجاري والمبثوثة في الأحياء (تقل في الداخلية وتزداد مع توجهنا للأطراف) قد تم استغلال الكثير منها بالفعل خلال الخمس سنوات الماضية مع تزايد الوتيرة خلال العامين الأخيرين، وما تبقى منها مرتبط بملاكها الذين يحافظون عليها كمخزن للقيمة وملجأ لأموالهم الفائضة حيث يتساءل بعض ملاكها ماذا سأفعل بقيمتها إن بعتها؟ . . والحقيقة أن ملك الموت قد ساهم بشكل كبير في إعادة هذه الأراضي إلى السوق بشكل فعال من خلال الورثة الذين أعادوها إلى طبيعتها كسلعة بدل أن تكون مخزناً للقيمة.
ثانياً: حيازات غير مخططة داخل النطاقات العمرانية وتكون في الغالب أراضٍ مملوكة للبلدية يتم تطبيق منح الأمراء أو بعض المتنفذين عليها. وهنا لابد من الإشارة إلى حقيقة غائبة وهي أن معظم الأمراء الذين يتهمون بتعطيل الأراضي داخل النطاقات العمرانية هم في الحقيقة أفضل من ملاك العقار الكبار، فالأمراء عادة يقومون ببيع الأراضي الداخلة ضمن النطاقات العمرانية بمجرد تطبيق أوامر منحهم عليها حيث أنهم يتعاملون معها كوسيلة لتحسين أوضاعهم، بل انهم يبيعونها أحياناً وهي ماتزال أوامر دون تطبيق فيتلقفها سماسرة العقار ليطبقوها هم على أراضي البلدية مستغلين أسماء الأمراء طبعاً.
ورغم أن هذا النوع من التعاملات يحدث خللاً في السوق وتشويهاً للمدن وخنقاً لها بسبب ضياع أراضٍ مخصصة للبلدية وتحولها إلى غير ماخصصت له إلا أنه يحسب للأمراء تصرفهم السريع فيها ودفعها للسوق ولكنها للأسف كثيراً ماتقع في يد من يكنزها تحت الشمس فهي كما يقول لاتأكل ولاتشرب.
ثالثاً: أطراف المدن والضواحي. وهذه هي التي تمثل الحل المفترض من الناحية النظرية ولكنها من الناحية الفعلية جزء من المشكلة.
إعلم عزيزي القاريء أن ماتراه من برارٍ شاسعة عن يمينك وعن شمالك وأنت مسافر مثلاً من الدمام إلى الرياض قاطعاً حوالي ثلاثمائة وتسعين كيلومتراً هي عبارة عن أملاك متنوعة منها الخاصة ومنها العامة أي أن توسع المدن وتملك العباد خلال المائة عام القادمة بإذن الله لابد أن يصب في جيوب محددة وعلى مثل ذلك فقس أي طريق صحراويٍ مهجور تسير فيه . . فلاينجو من هذه القاعدة إلا القليل من المناطق.
رابعاً: تزيد المشكلة تعقيداً في المدن القديمة مثل مكة والمدينة أو الواقعة في وسط مناطق قبلية مثل الطائف وأبها حيث أن محيط هذه المدن مملوك بالفعل للقبائل القاطنة فيه منذ مئات السنين وهنا تماس بين الدولة والقبيلة.
خامساً: المدن المحصورة بأملاك الشركات الكبرى مثل وضع عدد من مدن المنطقة الشرقية مع شركة أرامكو وسابك والمناطق الصناعية الكبرى فهذه المدن إن كان لها من متنفس فهو إما باتجاه دفن البحر أو الصحراء المملوكين مسبقاً !
سادساً: الأراضي المملوكة لجهات حكومية. والحقيقة أن هذه الأراضي لابد من إعادة النظر فيها فهي محجوزة على أساس التوسع المستقبلي ولكنها في الواقع قد تم تملكها من قبل الجهات الحكومية في وقت الوفرة ودون دراسات حقيقية لمدى الاحتياج إليها.
نعم عزيزي القاريء هذه هي الحقيقة فقد ضاقت الوسيعة وهذه ببساطة إحدى إفرازات الطفرة الأولى فقد تعلم العقاريون درساً مفاده أن ماكان يعرض علينا من تملك في الصحراء وأطراف المدن بأثمان زهيدة بخسه وفرطنا فيه سابقاً ثم تحول إلى أحياء مزدهرة لن نفرط فيه اليوم ويساعدهم في ذلك ماكدسوه من أموال يتعاملون معها على أنها مشكلة في حد ذاتها فلا أجمل من دسها في تراب الصحراء فلابد لك أيها المواطن من الوصول إلى هنالك يوماً ما وحينها ستجد نفس الوجوه ونفس الأسماء تنتظرك لتمتص دمك.
أيادٍ طويلة ومال وفير
إن واقع الأراضي الغير مستثمرة اليوم (إما مخططة متروكة كقطع خالية أو أراضٍ خام غير مخططة) عائد إلى إفرازات هذه الثقافة فهؤلاء الملاك الخازنون للأراضي لم يكتفوا بما تحت أيديهم بل أن الشره قد وصل بهم مرحلة مخيفة، فإذا كنت من سكان مدينة صغيرة أو متوسطة فإنك ستفاجأ عند وجود مخططات جديدة وبأسعار في متناول سكان تلكم المناطق قليلة السكان قليلة النشاط الاقتصادي ستفاجأ بكميات من البشر تتقاطر من أنحاء المملكة وتنهال شراء في هذه المخططات حتى تأتي عليها فتتحول القطعة السكنية ذات الأربعمائة أو خمسمائة متر التي كانت تتداول بحدود الأربعين ألف ريال إلى مائة وخمسين ألف ريالٍ في غضون سنتين فقط وتبدأ في الصعود !
نعم وتجد بعضهم قد هجم على الأراضي محملاً بوكالات الشراء ليجمع مايقدر عليه لنفسه ولأصدقائه أو زبائنه . . وعندما يريد الشاب ساكن الساحل الغربي أن يبني منرلاً لعائلته فعليه أن يشتريه من (شايب) على الساحل الشرقي كان في شبابه قد حصل مرتين على منح مجانية من الدولة وقرض وعاش مرحلة العصر الذهبي في يوم ما.
إنه واقع تعيس وظلم بين لأجيال الشباب واستعباد لهم وتسخير لصالح جيلٍ عب حتى الثمالة من خير الوطن ثم عاد ليغرس أنيابه في أجساد شبابه ولم يسلم الشباب حتى من انتقاد ذلك الجيل الذي يجعل من تسفيه أحلامهم والتعريض بهممهم فاكهة مجالسه وشغله الشاغل.
أذكر حضوري لمزاد في مدينة الظهران قبل سنتين وعندما بدأ المزاد كان كبار ملاك قد غيروا مسار المزاد وقرروا أن يجعلوه بنظام المزايدة على البلك وليس القطعة ! وأذكر عندما أعلنوا عن نيتهم الإجرامية ماحصل من اضطراب لدى الشباب الحاضرين الذين كانوا يحلمون بالحصول على قطعة أرض ومنهم موظفون في شركة أرامكو التي تعد أقرب منشأة اقتصادية من ذلك الحي.
لن أنسى صدمتهم كانوا واقفين  ببدلاتهم التي اعتادوا عليها وقد ملأت سياراتهم المزينة بشعارات أرامكو المواقف حول خيمة المزاد وقد وقعوا فريسة لدينصورات العقار التي بدأت تزايد على البلكات بتفاهم وتناغم قذرين والمزايدون هم نفسهم الملاك وسيطبقون أسهمهم العقارية ويخرجون بالغنيمة.
أذكر أن من أحيوا حفلة النصب كانوا يصيحون في الميكرفون (لايفوتك ياراعي العقار اشتر وبع على موظفين أرامكو هذي ذهب ماهي أرض)!!! نعم لقد كانت حفلة شواء وقودها موظفي أرامكو الذين عادوا لشراء قطع الأراضي بالسعر الذي فرضه كبار الملاك عليهم.
فقدان الأمل
ربما أعود يوماً للكلام عن الحلول التي لو أرادها الباحث عنها بصدق لوجدها ولكنني مهتم أكثر بالجانب الإنساني، فقد خط الشيب رؤوس الكثير من الشباب ولما يتمكنوا من تملك مسكن أو حتى أرض سكنية بعد، أما الشباب الحديث فلايحلم أصلاً بذلك أحد أصدقائي أخبرني بأنه عدل عن شراء أرض بعد أن فقد الأمل وقرر أن يعيش حياته المؤجلة ويشتري دباب هارلي!
إنه فقدان الأمل عند الشباب وما أدراك مافقدان الأمل؟ ألم يسمع عقلاء البلد بمقولة الحكيم (لا تحرم الآخرين من الأمل فقد يكون هذا كل ما يملكونه)؟ هل يعلم العقلاء إلى ماذا ينتهي فاقد الأمل وأي طريق يسلك؟
هل يعلم عقلاء البلد أن أبناء الطبقات فوق المتوسطة يسكنون اليوم في وحدات مستأجرة صغيرة سيئة التشطيب وبأسعار عالية ويحسون بالكمد فهم على وضعهم ووضع عائلاتهم المالي والوظيفي الجيد يسكنون في وحدات غير مناسبة ولاحظ أنهم قد عايشوا السعة وعرفوها وأن هذه الطبقة تمثل أغلبية مجتمع المدن والتي بدأت وللأسف تتآكل مع الوقت.
هل يعلم عقلاء البلد أن هذه الأسعار بدأت تخنق الأعمال التجارية من جهة إيجار المعارض أو سكن العمال وأنها تقضم دورياً من هامش أرباحها حتى اضطرت الكثير منها للإنتقال أو الإقفال؟ بل أنني وقفت قبل ثلاث سنوات في الرياض على أشخاص يتعمدون إخراج المستأجرين ليرفعوا الإيجارات بشكل خيالي - مع موجة الإرتفاعات حينها – لكي يرفع قيمة العقار ثم يبيعه! إنها عقليات خبيثة مدمرة للإقتصاد الوطني.
ألا يرى عقلاء البلد أن حتى تجارة التجزئة في مجال (السوبر ماركت) تحولت إلى عقار وتأجير للرفوف على شركات الأغذية المحلية ووكلاء الأجنبية لما وجدوا أن هذه الورقة هي الورقة الرابحة في البلد ولاعزاء للسلسلة الاقصادية المرتبطة بهم كاملة ومنها الشباب؟!
هل عجز عقلاء البلد أن يدركوا ما أدركه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أكثر من ألف سنة عندما رفض تقسيم أرض السواد بالعراق على الفاتحين حفاظاً على حق الأجيال القادمة؟!
لا أحد يسمع الصوت
أنا كافرٌ كفراً بواحاً بحكومتنا البائسة ولابسي مشالحها الكئيبين وبجمعيات المجتمع المدني المعطلة وبحناجر المسؤولين والمثقفين ورجال الدين المادحين أو الخائفين المتقوقعين معلقي الأنظار والقلوب ببوصلة الحكومة أينما اتجهت صدحوا، ولاعزاء للمواطن ولانصح لمسؤول!
لذلك فإنني أوجه النداء بعد الله للأب الصادق وقائد السفينة لخادم الحرمين الشريفين الذي لم أجد كمواطن من يتحرك لقضايانا مثله، ياخادم الحرمين كتبت مقالي لمن أعرف ولمن أكثر علي السؤال (كيف ضاقت الوسيعة؟) فأخبرته بما أعرفه بشكل عام وهم يسألوني عن الحلول والحلول عند سموكم الكريم.
ياوالدنا شباب الوطن فقد الأمل في امتلاك مسكنه، ياوالدنا انتصر للشباب وإن كان على حساب كبار ملاك العقار أو المسؤولين أو الوجهاء أو الأمراء أو كائناً من كان فقد تضخمت المشكلة ولا حل لها اليوم إلا بتحرك عام قانوني ونظامي وثقافي.
ياخادم الحرمين أنت أمل الشباب إذا فقدوا الأمل، ياخادم الحرمين ماذا نقول للشباب إذا قالوا أن الدولة عاجزة بالشكل الحالي حتى عن إمداد الجمعيات الخيرية المخصصة للإسكان بالأراضي المناسبة لإقامة مشاريعها ما جعلها تتجه إلى إقراض العائلات الفقيرة المنتجة وغيره من البرامج الخيرية؟!
ياخادم الحرمين عيون الشر تتربص ببلدنا وبشبابنا ولاتترك فرصة لإذكاء الفتنة والشر وإغواء الشباب فهل نتركهم يعيشون غربة في وطنهم ويرتهنهم ملاك العقار عشرات السنين عبيداً لهم.
ياخادم الحرمين يكذب من يقول لك أن هذا العلق ركن من أركان اقتصاد البلد، ويكذب من يضيق على المواطن عيشه ويقول لك أن المواطن يكفيه القليل، ويكذب من يقول لك أن إنصاف الأجيال القادمة من أبنائك أبناء الوطن حرام شرعاً بل الحرام والله كنز المال وتكديسه وجعله دولة بين الأغنياء وابتزاز باقي الشعب.
ياخادم الحرمين إن في شبابك رماح فدع عنك صادي المدي، وفي شعبك ناصحين يتوقون للمشاركة شاورهم في الأمر وستجد عندهم الحلول إن شاء الله.
ياخادم الحرمين تدارك الأمل قبل أن يموت.